السيد محمد حسين الطهراني

42

معرفة المعاد

إلى مبدئها ، كما يُدفن البدن تحت الأرض فيتّخذ لنفسه صوراً متبدّله ومتغيّرة في القبر ، ومن ثَمّ فإنّ المعاد روحانيّ فقط . ويقول البعض : إنّ المعاد جسمانيّ فقط وليس روحانيّاً أبداً ، فما يعود إلى الله تعالى هو البدن واللذّات البدنيّة ، كالأكل وإطفاء الشهوة والتفرّج وأمثال ذلك . أمّا تلك الكمالات العقلانيّة والفناء في أسماء الحيّ القيّوم ذي الجلال وصفاته وذاته فقد أنكروها ، كما تجاهلوا تلك الأرزاق والأغذية العقليّة المختصّة بالروح ، والتي تفوق وتفضل هذه الأغذية الجسميّة بمئات الآلاف من المرّات . كما يقول البعض الآخر : إنّنا نمتلك كلا المعادينِ ، فالروح لها معاد ، والبدن له معاد . يقول المرحوم الفيلسوف الشهير الحاجّ الملّا هادي السبزواريّ رضوان الله عليه : مَنْ قَصَّرَ المَعَادَ في الرُّوحَانِيّ * قَصَّرَ كَالحَاصِرِ في الجِسْمَانِيّ وَجَامِعٌ بَيْنَهُمَا جا فَائِزا * وَقَصَباتِ السَّبْقِ كَانَ حَائِزَا « 1 » والدليل الذي أقامته تلك الطائفة من الفلاسفة والحكماء على أنّ المعاد روحانيّ فقط لا جسمانيّ هو أنّ حقيقة الإنسان بالعقل وبالنفس ، وهما مجرّدان . وحين جمع الله تبارك وتعالى بين النفس والعقل من جهة والبدن من جهة أخرى ، فإنّهما اجتمعا سويّاً وتصافيا وتآلفا مثل روح الإنسان وبدنه ، فهبطت الروح وحلّت في قالب البدن ، أشبه بطائر الورقاء ذات التعزّز والتمنّع . هَبَطَتْ إلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأرْفَعِ * وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ

--> ( 1 ) - « المنظومة السبزواريّة » بحث المعاد ، ص 335 ، طبعة ناصري .